أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
401
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الفراء : إن هنا بمعنى لو ، وهذا من أبي البقاء يؤذن أن الجواب للشرط وإنما حذفت الفاء لكون فعل الشرط ماضيا ، وهذا منه غير مرض لأنه خالف البصريين والكوفيين بهذه المقالة . وقوله : وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ « ما » تحتمل الوجهين أعني كونها حجازية أو تميمية ، فعلى الأول يكون « أنت » مرفوعا بها ، و « بتابع » في محل نصب ، وعلى الثاني يكون مرفوعا بالابتداء ، و « بتابع » في محل رفع ، وهذه الجملة معطوفة على جملة الشرط ، وجوابه لا على الجواب وحده ، إذ لا يحل محله ، لأن نفي تبعيتهم لقبلته مقيد بشرط لا يصح أن يكون قيدا في نفي تبعيته قبلتهم ، وهذه الجملة أبلغ في النفي من . قوله : ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ من وجوه : أحدها : كونها اسمية متكرر فيها الاسم مؤكد نفيها بالباء . ووحد القبلة وإن كانت مثناة لأن لليهود قبلة وللنصارى قبلة أخرى لأحد وجهين : إما لاشتراكهما في البطلان صارا قبلة واحدة . وإما لأجل المقابلة في اللفظ ، لأن قبله « ما تبعوا قبلتك » ، وقرئ « 1 » « بتابع قبلتهم » بالإضافة تخفيفا لأن اسم الفاعل المستكمل لشروط العمل يجوز فيها الوجهان ، واختلف في هذه الجملة : هل المراد بها النهي أي : لا تتبع قبلتهم ، ومعناه الدوام على ما أنت عليه ، لأنه معصوم من اتباع قبلتهم ، أو الإخبار المحض بنفي الاتباع ، والمعنى أن هذه القبلة لا تصير منسوخة ، أو قطع رجاء أهل الكتاب أن يعود إلى قبلتهم ؟ قولان مشهوران . قوله : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ كقوله : وَلَئِنْ أَتَيْتَ وقوله : « إنك » جواب القسم وجواب الشرط محذوف كما تقدم في نظيره . قال الشيخ « 2 » : لا يقال إنه يكون جوابا لهما لامتناع ذلك لفظا ومعنى ، أما المعنى فلأن الاقتضاء مختلف فاقتضاء القسم على أنه لا عمل له « فيه » لأن القسم إنما جيء به توكيدا للجملة المقسم عليها ، وما جاء على سبيل التوكيد لا يناسب أن يكون عاملا واقتضاء الشرط على أنه عامل فيه فتكون الجملة في موضع جزم ، وعمل الشرط لقوة طلبه له ، وأما اللفظ فإن هذه الجملة إذا كانت جواب قسم لم تحتج إلى مزيد رابط ، فإذا كانت جواب شرط احتجت إلى مزيد رابط ، وهو الفاء ، ولا يجوز أن تكون خالية من الفاء موجودة فيها فلذلك امتنع أن تكون جوابا لهما معا . و « إذن » حرف جواب وجزاء بنص سيبويه ، وتنصب المضارع بثلاثة شروط : أن تكون صدرا ، وألا يفصل بينها وبين الفعل بغير الظرف والقسم ، وألا يكون الفعل حالا ودخلت هنا بين اسم إن وخبرها لتقرير النسبة بينهما ، وكان حدها أن تتقدم أو تتأخر فلم تتقدم لأنه سبق قسم وشرط والجواب هو للقسم ، فلو تقدم لتوهم أنها لتقرير النسبة التي بين الشرط والجواب المحذوف ، ولم تتأخر لئلا تفوت مناسبة الفواصل ورؤوس الآي . قال الشيخ « 3 » : وتحرير معنى « إذن » صعب اضطرب الناس في معناها وفي فهم كلام سيبويه فيها وهو أن معناها
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 432 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 433 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 434 ) .